ثقافة

البال: الكيان الذي لا ينام بداخلك

شارك المقال:
البال: الكيان الذي لا ينام بداخلك

بقلم / ناصر سالمين الحوسني

منذ البداية، يسأل الإنسان سؤالًا يبدو عاديًا:

ما هو البال؟ وهل هو عضو في الإنسان؟

ولماذا ذكر فأكثر من ايه فالقران الكريم فقولته تعالى :

* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَالْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴿٢ محمد﴾

* سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴿٥ محمد﴾

* وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰرَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّيبِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴿٥٠ يوسف﴾

* قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ ﴿٥١ طه﴾

سؤال بسيط… لكن كلما حاولنا الإجابة عنه، اكتشفنا أن الحقيقة أكثر تعقيدًا مما نتخيل ، فلا أحد رآه، ولا أحد وصف شكله، ومع ذلك نحسّ به أكثر مما نحسّ بأي عضو آخر في جسدنا.

الطب يقول: ليس عضوًا.

العقل يقول: مجرد حالة.

لكن الروح تقول شيئًا آخر:

البال أكثر من ذلك، إنه مساحة داخلنا تتحرك، تتحكم، وتؤثر على كل تفاصيل حياتنا ، في البداية، يبدو البال مجرد حالة نفسية: انشغال بال، راحة بال، اضطراب بال ، لكن سرعان ما نشعر أنه شيء أكبر وأكثر غموضًا.

• تختنق فجأة بلا سبب،

• يرتجف شيء داخلك دون معرفة مصدره،

• تستيقظ وأنت ثقيل،

• يعود إليك موقف قديم ظننته مات منذ سنوات.

البال هنا يصبح بابًا داخليًا، لا يُفتح بالكلام، ولا يُغلق بالإرادة ، حين يُفتح، يظهر خلفه الماضي، الذكريات، الأسئلة التي لم نجرؤ على طرحها، وكل ما حاولنا دفنه ، مع مرور الوقت، يتحوّل البال إلى كائن قديم يعيش في حدود الروح ، كائن بلا شكل، بلا صوت، لكنه موجود… يراقب، يختبر، ويقتات على ما نخفيه عن أنفسنا ، يستيقظ حين نخاف، وينام حين نواجه، ويختبئ حين نكون مشغولين، كأنه ظلّنا المظلم ، يظهر في كل شيء صغير، في اللحظات العابرة، في الصمت، في الضحكات المخادعة، في خفقات القلب التي لا سبب لها ، العارفون يقولون:

“البال ليس شعورًا، بل مرآة الروح ، في هذا العمق، يلتقي الإنسان بنفسه لأول مرة، ويواجه: خوفه المدفون ، خيباته القديمة ، أسراره التي لم يُسمح لنفسه برؤيتها ،ونصف الحقيقة التي أخفاها عن العالم ، الراحة هنا ليست مجرد هدوء، بل لحظة هدنة يمنحها البال، لحظة يستطيع فيها الإنسان التنفس بعد معركة طويلة مع ذاته ، ومع مرور الوقت، ندرك أن البال ليس شعورًا، ولا فكرة، ولا ظلًا… بل كائن حيّ داخلي ، يستيقظ حين تنطفئ الأضواء، حين يهدأ العالم، وحين تكون وحيدًا ، يفتح دفاتر الماضي، يسحبك إلى خوفك، أسرارك، وهمومك المظلمة ، لا يتكلم، لكنه يضغط على صدرك ، لا يرى، لكنه يعرف كل شيء عنك ، لا ينام، لكنه يسمح أحيانًا بالراحة… كهدنة قصيرة قبل أن يعود ، يصبح البال نسخة مظلمة من نفسك، يراقبك ويختبرك ، كل كلمة كذبة، كل سر مخفي، كل خوف لم تواجهه… يتغذّى عليه هذا الكائن ، يتحرك في داخلك، يتحكم في مزاجك، يضغط على قراراتك، ويظهر أثره في كل تفصيل من حياتك ، الهروب مستحيل… المواجهة خيارك الوحيد ، الإنسان يمكنه أن يختبئ من العالم، لكن لا أحد يستطيع الاختباء من البال ، وحدها المواجهة، الاعتراف، الصدق، تضعف هذا الكائن وتمنحه هدنة قصيرة… قبل أن يعود، ويبدأ من جديد

فمن يكون البال حقًا؟

هل نحن من نحمله؟ أم هو من يحملنا؟

هل هو ظل أرواحنا؟ أم سجينها؟ أم حارسها الذي لا يعترف بالرحمة؟

البال ليس عضوًا في الإنسان… بل الإنسان هو الذي يسكن في باله.

إنه أوّل سرٍّ وُضع في الإنسان، وربما آخر سرّ سيبقى بلا تفسير، ككائن حيّ يعيش معنا، يرعبنا، يراقبنا، ويجعلنا نواجه أنفسنا في كل لحظة من حياتنا.